النطوفيون

From Zuhlool زهلول - الموسوعة العالمية المجانية

Jump to: navigation, search

ظهر النطوفيون في فلسطين وتحديدا في العصر الحديث الوسيط ما بين 10،000 - 8،000 سنة ق.م . وجاءت تسميتهم نسبة إلى وادي النطوف غربي القدس، وتعتبر الحضارة النطوفية الحضارة الأولى عن طريق تقدم الإنسان وارتقائه، فمن خلالها وصلت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين قمتها، فبعد أن بلغ النطوفيون درجة عالية من التقدم وضع الأساس المادي والفكري المباشر للانعطاف الجذري والأهم في تاريخ البشرية، إلا أن أهم ما امتازت به هذه الحضارة انتقالها بالإنسان من مرحلة الصيد وجمع الطعام إلى مرحلة الزراعة وتدجين الحيوان، وبذلك تحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وكان القمح والشعير أول ما زرع الإنسان . وتفيد المراجع التاريخية عدم وجود أي دليل على ممارسة شعب آخر غير النطوفي للزراعة في مثل هذا العصر البعيد .

وتشير الدراسات أنه في الألف الخامسة ق.م دخلت فلسطين في طور جديد من أطوارها حين وفد إليها من قلب الجزيرة العربية قبائل العموريين والكنعانيين ومعهم اليبوسيين الذين تفرعوا عنهم ، وقد فرض الوافدون الجدد أنفسهم على سكان البلاد الذين ذابوا فيهم على مر الزمن ، وفيما بعد طبّعوا البلاد بطابعهم الخاص وحملت البلاد أسماءهم.

ويفيد المؤرخون أن التسميات لهذه البقعة من الأرض قد توالت ليطلق عليها فيما بعد "أرض كنعان" أو كنعان، كما نصت عليها تقارير قائد عسكري عند ملك -ماري- ووجدت بوضوح في مسألة "أدريمي" - ملك الالاح - تل العطشانة من منتصف القرن الخامس عشر ق.م.

ويرى المؤرخون من النصوص المختلفة أن الأرض الفلسطينية ممتدة بين سيناء جنوبا وغور الأردن شرقا، وقد استعمل الإغريق هذا اللفظ بادئ الأمر للدلالة على المنطقة الساحلية ، حيث تتركز صيغة التسمية عند المؤرخ اليوناني هيرودوتس 484 - 425 ق.م على أسس آرامية بالستاين ويرى هيرودوتس أحيانا في دراساته أن هذا اسم يطلق على الجزء الجنوبي من سورية أو سورية الفلسطينية بجوار فينيقية وحتى حدود مصر.

وقد استعمل هذه التسمية الذين اتبعوه من كبار المؤرخين أمثال سترابو وديودوروس وبطليموس وبليني، ومع مرور الزمن حل اسم بالتسين محل الاسم الشامل سورية الفلسطينية ، وقد أصبح اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على جميع الأرض المقدسة ، وقد صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها عقب قهره لليهود عام 70م ، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية ، وورث البيزنطيون هذا الاسم عن الرومان، ومن بالستين انبثقت كلمة فلسطين العربية

ويؤكد علماء التاريخ أن تميز النطوفيين عن غيرهم يكمن في خطواتهم السريعة نحو إنتاج غذائهم، ثم في الانتقال إلى حالة من الاستقرار، وتأسيس مستوطنات دائمة في مرحلة مبكرة من الحضارة الإنسانية. وقد أصبح من المؤكد الآن أن الجماعات البشرية النطوفية تميّزت منذ البداية بحركة نزوح من المغاور والكهوف إلى المواقع المكشوفة في أرجاء الشرق الأدنى القديم كلها. وحدث ذلك بالتدريج، إذ بدأوا بناء منازل بسيطة، يسهل بناؤها كما يسهل هدمها، على المصاطب القريبة من الكهوف، وكانت على العموم مستديرة الشكل، أسفلها محفور في الأرض على عمق نصف متر تقريباً، وجُدُرها وسُقفها، من جذوع الأشجار المغطاة بالأغصان والجلود. تفيد بعض المراجع التاريخية أنه تمّ الكشف عن قرى نطوفية كثيرة، وفي مواقع متعددة، تحمل سمات عامة مشتركة، من ناحية شكل البناء، أو التعبيرات الفنية، أو طقوس الدفن، أو تقنيات صناعة الأدوات الميكروليتية الهلالية ، أو الأدوات الزراعية البازلتية. وتتركز هذه المواقع بشكل كثيف في فلسطين في السهل الساحلي الأوسط، وفي جبال القدس وسفوحها الغربية.

وفي غور الأردن موقعان متباعدان، غاية في الأهمية: الأول في أريحا، والثاني إلى الجنوب الغربي من بحيرة الحولة في جوار عين الملاحة، الذي يُعَدّ الموقع النموذج لهذه الحضارة بعد التنقيبات التي أُجريت فيه.

وموقع عين الملاحة القريب من نبع غزير يحمل الاسم نفسه، هو قرية نطوفية تبلغ مساحتها 2000 م2، اكتُشفت في الخمسينات من هذا القرن، ونقب منها جزء صغير، كشف عن ثلاث سويّات أثرية من هذا العصر.

ويتضح أن سكان القرية أتقنوا بناء البيوت المستديرة، بقطر يراوح بين 5 – 8 أمتار، أُسسها بضعة مداميك من الحجارة مغروسة في الأرض وجُدُرها من الطين، وسُقوفها من الخشب، وأرضيتها مرصوفة بالحجارة، وفي وسطها موقد، وبداخلها مخازن للحبوب ذات جُدُر من الطين القاسي جداً.

وفي الجزء الذي جرى تنقيبه من عين الملاحة عثر على أكثر من 50,000 قطعة أثرية، تعطي بمجموعها صورة شاملة لحياة مجتمع بلغ حدّاً متقدماً من الحضارة المادية والروحية، ويقدر تعداد أفراده بـ 300 شخص. وأغلبية هذه اللُّقى هي من النصال المتنوعة الدقيقة الصنع، وأدوات أخرى ميكروليتية مركّبة، هندسية الأشكال، ركّبت في أنصبة لتكون مناجل للحصاد وغيرها. كما تضم أدوات عظيمة ومخارز وإبر وصنانير لصيد الأسماك وأنصبة عظمية زينت بإشارات ورموز وصور لرؤوس غزلان وغيرها من الحيوانات.

ويسترعي الانتباه إلى وجود قطع فنية منها لوحتان حجريتان تحملان نحتاً لملامح إنسان مختزلة، وعدد كبير من أدوات الزينة والخرز والأصداف، وجدت مدفونة مع الهياكل العظمية، في معظم الأحيان تحت مصطبة البيت، إضافة إلى التعبيرات الفنية في أدوات العمل، وخصوصاً الأنصبة العظمية التي ركّبت عليه الشفرات الميكروليتية الرقيقة، ذات الأشكال الهندسية المتعددة – كالمثلث والمربع والمنحرف والهلال . . . الخ.

والواضح أن هذه الرقائق كان يصعب استعمالها من دون مقبض، فكانت تُشد إلى النصاب بواسطة ألياف الأشجار، أو خيوط من الجلد أو خيوط من أطناب الحيوانات.

ومن المواقع النطوفية الأكثر أهمية في فلسطين، حيث اكتُشف العدد الأكبر منها بالنسبة إلى غيرها، أريحا ومغارة الواد (وادي فلاح). ففي الطبقة السفلى من تل السلطان (أريحا القديمة)، وُجدت آثار تنتمي إلى الحضارة النطوفية – مناجل وصنانير عظمية – كما عُثر على بقايا معبد من هذا العصر، يعود بناؤه إلى الألف الثامن قبل الميلاد.

أما عند مدخل مغارة الواد، القريبة من السهل الساحلي في جبال الكرمل، فقد اكتُشفت قرية مكوّنة من منازل مستديرة، بُنيت من الحجارة والطين والدعائم الخشبية، وفيها أدوات حجرية تعود إلى هذه الفترة.

وعند مدخل مغارة الواد اكتُشفت حفر على سطح صخري منبسط يحيط به جدار حجري، واستخلص الباحثون أن هذا البناء الكبير نسبياً استُعمل كمعبد في العصر النطوفي، فقد وجد في جواره 14 قبراً من هذا العصر. كما وجد مقبض منجل عظمي، عليه صورة رأس غزال، عثر على مثيل له في مغارة كبّارة القريبة. أما في مغارة الواد فعُثر على لوحة حدرية نُحت عليها رأس إنسان مبسّط، فضلاً عن أدوات زينة وخرز وأطواق وأعلاق وحلق مصنوع من الصدف وغيرها.

ولم تتوفر حتى الآن من الشرق الأدنى أية آثار تشير إلى تعبيرات فنية عن قيم دينية قبل العصر النطوفي. غير إنه منذ بداية الحضارة النطوفية، في الألف العاشر قبل الميلاد بدأت تتجلى عبر المكتشفات الأثرية ملامح فنون النطوفيين، المعبرة عن معتقداتهم وما يختلج في صدورهم من اهتمامات، أو ما يتفاعل في نفوسهم من مسائل الحياة، أصلها ومآلها، ومن أمور البيئة المحيطة، وما توفره أو تحجبه، وما يريح الصانع أو يزعجه.

ومن الرسوم والمنحوتات والدمى التي وصلت إلينا، يبرز الفن النطوفي تصويرا وتشخيصا مبسطا، تناول الحيوان بصورة عامة، والغزال بصورة خاصة، ونادرا ما جسّد البشر.

الموت عند النطوفيين

ويتضح أن النطوفيين أولوا موتاهم عناية خاصة فقد كانوا يؤمنوا بفكرة الموت والبعث بعد الموت وقد دلت علي ذلك المدافن الأثرية لموتاهم ، ولا يكاد يخلو موقع جرى التنقيب فيه من مدافن للموتى ، جماعية أو فردية ، وهي حفر ضحلة متقاربة ، توضع الجثث فيها مثنيّة وأطرافها مربوطة بألياف الأشجار. وكانت لهم طقوس في الدفن أظهرت رفضهم فكرة أن الموت هو نهاية الحياة ، فزودوا الميت بحاجاته المفترضة ودفنوها معه ، من طعام وسلاح وأدوات زينة ، وكانوا يخضبون هذه الجثث ، كأنما يعدّونها لحياة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه تم العثور في موقع عين الملاحة على كلبٍ دُفن مع صاحبه في قبر واحد. وقد يكون قد تمّ تدجينه في ذلك الحين.

وكشفت التنقيبات الحديثة انتشار الحضارة النطوفية ، وإن ببعض التمايزات المحلية، من بحر قزوين (مغراة بلط)، إلى تونس (قفصة)، مروراً بمصر (حلوان). أما في الهلال الخصيب فقد اكتُشفت تلك الحضارة في موقعي زارزي وشانيدار في شمال العراق ، وفي عدد كبير من المواقع في سورية: يبردو والكوم (البادية السورية) والحمر (قرب دير الزور) والطيبة (قرب درعا) وجيرود (قرب دمشق) وفي الموقعين المهمين: المريبط وأبو هريرة ، في حوض الفرات.

ووجدت أيضاً في مغارة جعيتا وغيرها في لبنان، ومواقع البيضا والعسافات وعين راحوب في الأردن ، فضلاً عن عشرات المواقع في فلسطين.

وعلى الرغم من التساؤلات التي يطرحها بعض الباحثين بشأن وجود حضارات متمايزة اجتماعياً واقتصادياً وتقنياً، وبالتالي من التحفظ على تعميم الوحدة الحضارية في هذا العصر على الشرق الأدنى، فإن منظوراً شمولياً يؤكد وجود حضارة موحدة إلى درجة كبيرة، أُطلق عليها الاسم الصُّدَقي – النطوفية ، امتدت من النيل إلى الفرات.

وتُظهر تلك الحضارة فوارق محلية، بنسب متفاوتة أو تفاوتاً في مستويات التقدم والرقي، وهو طبيعة الأشياء نتيجة حياة الاستقرار التي لا بدّ من أن تنطوي على درجة من الخصوصية من دون أن يغيّر ذلك كثيراً في الأساس، إذ تلتقي الجماعات البشرية في السمات العامة لنمط حياتها وحضارتها المادية في هذه المنطقة، خلال هذا العصر.

Personal tools